القاضي بيتر جرمانوس
في العقود الأخيرة، شهد لبنان تحولاً تدريجياً في بنيته السياسية والأمنية، حيث نما نفوذ حزبله ليصبح كياناً مستقلاً داخل الجمهورية اللبنانية الضعيفة وقد حصل ذلك بفضل مساعدة من زعامات مسيحية وسنية شكلت له الغطاء السياسي لتنفيذ مشروعه العقائدي الخميني فضلا عن الغطاء الدولي الذي امنه الحزب الديموقراطي الاميركي ورؤساء كبار مثل كلينتون واوباما.
من خلال دعم إيراني مكثف ومستمر، تمكن الحزب من بناء منظومة شاملة تضم قدرات عسكرية، اقتصادية، وخدمات اجتماعية، ما جعله أشبه بدولة مستقلة ضمن الجمهورية اللبنانية
بناء الدولة الموازية
الجيش والأمن
منذ تأسيسه في الثمانينات، انطلق حزبله كمقاومة مسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي. مع مرور الزمن، تطور الحزب ليصبح قوة عسكرية تتجاوز قدرات الجيش اللبناني في بعض الجوانب. يمتلك حزبله ترسانة من الصواريخ والأسلحة المتطورة، فضلاً عن وحدات بحرية وخبرات في الحروب غير التقليدية. فضلا عن اعلام حربي وصحف ومنشورات ومواقع تسمح له بتغطية سياساته بكفاءة عالية واخرج منظومة القوانين اللبنانية.
الاقتصاد والمصارف
تمكن حزبله من بناء شبكة اقتصادية موازية، تضم مصارف ومؤسسات مالية خاصة به، ما يتيح له القدرة على تمويل عملياته دون الاعتماد على النظام المصرفي اللبناني الرسمي. هذه الشبكة الاقتصادية تمكن الحزب من الاستمرار في العمل بالرغم من العقوبات الدولية المفروضة عليه.
الخدمات الاجتماعية والتنمية
بالإضافة إلى قوته العسكرية، يستثمر حزبله بشكل كبير في الخدمات الاجتماعية. يدير الحزب مؤسسات تعليمية وصحية وخدمات اجتماعية تتيح له كسب تأييد شريحة واسعة من المجتمع اللبناني، خاصة في المناطق التي تخضع لهيمنته.
التخوين والفيدرالية
في ظل تعاظم نفوذ حزبله وإبتلاعه للجمهورية اللبنانية وإنهيار مؤسساتها الدستورية بدءا من رئاسة الجمهورية وليس إنتهاء بالحكومات الضعيفة، تتعالى أصوات بعض المجموعات اللبنانية المطالبة بنظام فدرالي إتحادي كحل مرحلي للخروج من الأزمة السياسية والاقتصادية التي تعصف بالبلاد. هذه الدعوات تواجه بتخوين شديد من قِبل الأطراف المرتبطة بحزبله او بعض الجهات الغبية المفيدة المصابة بفيروس العروبية اليسارية القومجية والتي ترى في الفدرالية والاتحادية تهديداً لمشروع المقاومة او تحدي لفكرة الامة المستعربة.
زوال الدولة اللبنانية
مع تعاظم نفوذ حزبله والحماية التي يؤمنها للاحزاب السياسية الفاسدة والمستفيدة من نهب مقدرات الدولة (منذ أكثر من عقد لم يتم تزفيت طريق فرعية في لبنان وانهارت البلديات والمؤسيات والوزارات وعمت الفوضى في كل مكان) وتقلص دور الاخيرة في العديد من القطاعات، يعيش لبنان حالة من الانهيار المؤسسي الشامل. تشهد البلاد أزمة اقتصادية خانقة، تراجعاً في الخدمات الأساسية، وانهياراً في قيمة العملة الوطنية ما دفع نحو سدس السكان من مغادرة البلاد. هذا الانهيار يعكس تدهوراً حضارياً كبيراً، حيث باتت الدولة اللبنانية عاجزة عن أداء دورها كضامن لأمن ورفاهية مواطنيها وهي اليوم الحكومة تتنصل عن كل مسؤولياتها في الحرب الدائرة بين إسراىيل وإيران على الأرض اللبنانية في مشهد سوريالي غير مسبوق حتى في مرحلة الحرب الاهلية.
الفوضى والعواقب
الفراغ الذي خلفه تراجع الدولة اللبنانية وضعف الحكومات أفسح المجال أمام الفوضى والتدهور الأمني. إن غياب سلطة مركزية قادرة على فرض النظام يعزز من احتمالات تصاعد التوترات الطائفية والسياسية، مما يهدد باندلاع نزاعات مسلحة في المستقبل القريب وعلى نطاق واسع وغير قابل للضبط.
خاتمة
يشكل حزبله اليوم نموذجاً للدولة داخل اللا دولة، حيث يمارس سيطرة فعلية على العديد من مفاصل الحياة اللبنانية. في ظل هذه الظروف، ومع تصاعد التوترات في الاقليم، يبدو لبنان أمام مفترق طرق حاسم سيحدد مصيره كدولة تابعة لمحور الممانعة اليساري الخميني الايراني أو متنوعة ضمن نظام إتحادي يحفظ التعددية ويضمن للسنة وللمسيحيين الحق بالادارة المناطقية.
