في خطوةٍ كانت متوقّعة، بل مُنتظَرة منذ فترة طويلة، لكن بتوقيت بدا مفاجئًا ومُستغرَبًا، في غمرة الانشغال بتطورات الحرب الإسرائيلية، خلال الفترة الفاصلة ما بين ضربتي الضاحية وطهران المباغتتين، والردّ المُنتظر من “حزب الله” وإيران، اختار رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير السابق جبران باسيل أن يوقّع رسميًا على قرار “طرد” النائب آلان عون من صفوف التيار، بناء على توصيتين سابقتين لمجلس الحكماء في “الوطني الحر”.
وبخلاف قرارات فصل سابقة، أرفِق قرار طرد النائب آلان عون ببيان مفصّل صدر عن اللجنة المركزية للإعلام والتواصل في “التيار” شرحت فيه ما يمكن وصفها بـ”الأسباب الموجبة” للفصل، ومنها تخلّف عون عن المثول أمام مجلس الحكماء مرّات عدّة، فضلاً عن مخالفته النظام الداخليّ للتيار، وقرارات التيار وتوجيهاته على المستويات السياسية والتنظيمية والإعلامية، ومن ذلك عدم قبوله الإعلان عن التزامه قرار التيار في جلسة انتخاب رئيس الجمهورية.
وحرص البيان على الإشارة إلى الوساطات التي بُذِلت في محاولة لتفادي صدور هذا القرار، حيث لفت إلى أنّ رئيس “التيار” انتظر “فترة طويلة جدًا” قبل اتخاذ أي قرار، “على أمل أن يتراجع النائب عون عن ارتكاب المخالفات”، ولا سيما أنّ خسارة أي ناشط من التيار “أليمة”، ما يطرح السؤال، ماذا بعد فصل عون، وأيّ انعكاسات على الكتلة النيابية لـ”التيار”؟!
الخطوةُ التي اتخذها أبي رميا تعتبرُ كبيرة أيضاً وليست عادية على صعيد “التيار”، في حين أن استقالته من الحزب تعني أن الأخير خسرَ أحد البرلمانيين الناشطين، كما أنه افتقدَ أبرز الذين ارتبط اسمهم بمسيرة رئيس الجمهورية السّابق ميشال عون السياسيّة.
وبالعودة إلى مسألة آلان عون، وبعيداً عن الأسباب الموجبة لفصله من “التيار”، من وجهة نظر القيادة المحسوبة على باسيل تحديدًا، فقد قوبل القرار بانتقادات شديدة في أوساط بعضها قريب من “الوطني الحر”، باعتبار أنّ القرار يؤكد مرّة على ما يسمّيها هؤلاء “ديكتاتورية باسيل” بصورة أو بأخرى، بدليل العدد الضخم لقرارات الفصل من “التيار” منذ تاريخ تسلمه رئاسة الحزب، خلافًا لما كان عليه الحال قبل ذلك، حين كان العماد ميشال عون قادرًا على ضبط الأمور بشكل كامل.
يقول هؤلاء إنّ القرار بحق عون كان متوقَّعًا منذ فترة طويلة، وحتى قبل أن يبدأ التمهيد له في الأسابيع الأخيرة، وحتى قبل فصل نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب، الذي وُضِع أيضًا في خانة “تحضير الأرضية” لطرد غيره من النواب، بل تعود جذوره إلى انتخابات “التيار” السابقة، يوم تراجع عون عن خوض المعركة في وجه باسيل بتمنٍ من خاله العماد عون، ليبدو واضحًا حينها أنّه “أرجأ” الفكرة، ولم يُلغِ “الطموح”، بشكل أو بآخر.
لكنّ ما يقوله هؤلاء عن “ديكتاتورية باسيل” يبدو هو المُستهجَن بالنسبة للمقرّبين من باسيل، أو المؤيدين لوجهة نظره، حيث يلفتون إلى أنّ مثل هذا الكلام مفهوم في السياسة من جانب خصوم الرجل، الذين يرغبون بالتنقير عليه، لكن لا يمكن أن يكون مفهومًا لمن يفقه في العمل الحزبي، ولا سيما التنظيمي منه، فحرية الرأي يجب أن تكون مكفولة، لكن شرط ألا تتحوّل إلى تحدّ أو تمرّد، أو حتى ألا تظهر بهذا الشكل أمام الرأي العام بأيّ صورة من الصور.
بيد أنّ أكثر ما يثير استغراب هؤلاء يكمن في كون بعض الانتقادات لقرار فصل النائب عون يأتي من أحزاب أخرى لم تُعرَف يومًا بتقديسها لحرية الرأي في داخلها، علمًا أنّ هذه الأحزاب نفسها تشهد الكثير من “السوابق” على طرد قياديّين فيها لأسباب أقلّ بكثير من المخالفات التنظيمية، حيث تسأل هذه الأوساط: هل يقبل أيّ حزب لبناني آخر بأن يبقى نائب في صفوفه، وهو يخالف قرارات قيادته، أو يشرّع لنفسه انتخاب “من يشاء” رئيسًا خلافًا للقرارات؟
