كتبت النهار:
ثمّة في التاريخ تجارب لا تُحصى عن حروب برّرها المتحاربون بأنها فرضت عليهم، بمعنى القاصد والمقصود، والمهاجم والمدافع، والمتعمّد والمضطر، والقسري والعفوي… أما أن تكون حرباً يرفضها الجميع ولا يريدونها ولا يسعون إليها فهي أكذوبة القرن إطلاقاً!
يقف الشرق الأوسط برمّته فوق “فالق الزلازل” الحربية فيما دهمتنا ليل الاثنين هزة تمدّدت تردداتها من سوريا الى الأردن فلبنان كأنها تذكير رمزي عابر من الطبيعة التي لا قوّة تفوّقها (سوى قدرة القدير) بأن الشرق الأوسط برمّته لا يحتاج سوى الى دقائق للاختفاء إذا عاوده زلزال من “طراز” السبع درجات وما فوق فاتعظوا!
والحال أن دق نفير التعبئة الحربية الذي بلغ ذروة الذروات في اليومين الأخيرين، ربما ربطاً بموعد المفاوضات التي ستفشل حتماً يوم الخميس الأبهى الآتي، لم يسبق أن شهد الشرق الأوسط مثيلاً له لكي تحتسب معايير ما يمكن أن يشهده اشتعال الفتيل وما بعده من نتائج قد تكون غير متصوّرة إلا في مشهديات هوليوود “الأيقونية”.
كان الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 الذي احتل خلاله الجيش الإسرائيلي أول عاصمة عربية وقبلة مدن العرب والمنطقة بيروت قد وضع الشرق الأوسط برمّته أمام اهتزاز مماثل لذاك الحاصل الآن، ولكن الحرب لم تتفشّ خارج لبنان وأمكن لدهاة الخبراء والوسطاء الدوليين حصر الدمار والدماء والآثار الكارثية بآخر مسرح للحرب الباردة آنذاك، لبنان، على وقع تصفية الوجود العسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية وإخراجها من لبنان الى تونس. تختلف اختلافاً جذرياً الطبيعة الاستراتيجية الجديدة لأخطار تحول الحرب الجارية في غزة وجنوب لبنان منذ 7 تشرين الأول 2023 الى “مشروع” متقدم غير مسبوق لحرب عابرة لما كان يسمّى “دول الطوق” بحيث يمتدّ شعاعها من إسرائيل الى لبنان وإيران وما بينها من دول لا يمكن الجزم بحصرها قبل اندلاع الحرب.
ذلك أن “الموجودات” الحربية الغربية ولا سيما منها الأميركية في بحر الشرق الأوسط وبرّه التي صارت أشبه بتعبئة استباقية قياسية تضع هذه المنطقة من العالم أمام سابقة “حروب في حرب”، لم يتصوّر النافخون في المواجهات المشتعلة منذ عشرة أشهر أن يوماً ما سيأتي ويغدو الانفجار على هذا الحجم من الخطورة الدولية.
تقود المفارقات التي لا تنقطع اللبنانيين إلى الملاحظة النافرة بأن حرب تموز 2006 لم تخدش هناء الشرق الأوسط آنذاك، وسقط في لبنان 1200 ضحيّة ودمّر دماراً هائلاً من الجنوب الى سائر المناطق، ولكن الواقع الاستراتيجي الإقليمي والدولي ولو بتورّط كل اللاعبين الحاليين آنذاك لم يتفلت ومرت الحرب من دون تفجير المنطقة. وقد تكون ذروة الرعونة راهناً أن يظن الذين يمتهنون الحسابات القاتلة أن كل التحذيرات من حرب غير مسبوقة تشكل حشود الغربيين والأميركيين في البحر أبرز مؤشراتها، مجرد تهويلات وأن يذهبوا تالياً الى تلك الغرائبية التي تفتي بإمكان أن تشعل حربك من دون تمكين الآخرين من إشعال حروبهم… هذا هو التفسير الغرائبي، بل الأشد غرائبية، لمقولة تعمّ الشرق الأوسط الآن وتزعم ان أحداً لا يريد الحرب، لا إسرائيل ولا إيران ولا “حزب الله” ولا “حماس” ولا “أنصار الله” ولا كل الأصول والفروع والأذرع، ولا قطعاً أميركا وأوروبا، وكأن الحرب ستفرض قسراً بقوة “الاغتصاب” ويجهل الفاعل! إن كانوا جميعاً مناهضي حروب والأمر على مشارف هذا الهول فماذا حين تقع الواقعة؟
